عبد الله الأنصاري الهروي

135

منازل السائرين ( شرح القاساني )

--> وهذه الرتبة الإيمانيّة لها ركنان : أحدهما قسم الأخلاق التي هي بمثابة الشروط في الصلاة ، والثاني قسم الأصول ، أعني أصول الطلب المترتّب عليها الوجدان كما قلنا التي هي بمنزلة الأركان في الصلاة ؛ فأعمّ الأخلاق حكما وأشملها أثرا الصبر الذي لا يتمّ شيء من الأمور إلّا به ، وحقيقته حبس النفس على الطاعات ولزوم الأمر والنهي ، ثمّ على ترك رؤية الأعمال وترك الدعوى مع مطالبة الباطن كذلك ، وعلى الإعراض عن إظهار العلوم والأحوال وكلّ ما يبدو للروح من المواجيد والأسرار ، ثم حبس السّر والروح عن الاضطراب في كلّ ما يبدو من الإلهامات والواردات والتجلّيات والثبات على ذلك ، ثمّ على مقاساة البلايا لرؤيتها ، رافعة للحجب الرقيقة النورانية الدقيقة ، حتى يصير كلّ محنة بتلك الرؤية عطاء ومنحة ويصير وظيفة السالك ومقامه شكرا بعد أن كان صبرا ؛ فالصبر يشمل حكمه جميع المقامات والأخلاق والأحوال ، فإنّ جميع ما ذكرنا لا يتحقّق إلّا بحمل النفس - تابعة كانت أو متبوعة - على الثبات في التوجّه إلى تحقيقه ، وعلى مقاساة الشدّة في تصحيحه وتنقيحه ، فلا يخرج شيء عنه . والركن الثاني الشكر على نعمة التخليق أوّلا وعلى الهداية والتوفيق ثانيا وعلى التأييد في أداء حقوق الطريق ثالثا وعلى البلوغ إلى رتبة التحقيق رابعا ، ويندرج فيه الصدق والتواضع والحياء والخلق والإيثار والكرم والفتوة . والركن الثالث الرضاء ، فإنّ معناه وحقيقته وجدان نفس السالك وروحه وسرّه ، لكل ما يبدو ويقع في الوجود صادرا من اللّه تعالى ، مطابقا لمرادها ومحبوبها ، فلا تكره شيئا أصلا إلّا ما يكون مخالفا للشرع ، فتكرهه وتنكره بلسان الشرع موافقة له ، لا من كونه فعل اللّه تعالى الحكيم العليم . فإذا تحقّق هذا الركن بهذه الأخلاق حينئذ تخفّ أثقال السائر فيشرع مجدّا في سيره ، فإنّه حالتئذ يكون حاله في حصول مطلوبه والوصول إلى مقام محبوبه كحال من قطع البوادي حتى يكون مقصوده بمرأى منه فيكون محقّقا للركن الثاني ومقاماته التي هي بمنزلة الأركان من الصلاة ، وذلك أربعة أركان ؛ فالأوّل هو القصد الصحيح في التوجّه عن بصيرة وطمأنينة بحكم التجرّد والانقطاع عن كلّ ما يعوّقه ، فإذا قصد فربما يعتريه